نخبة من الأكاديميين
531
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
تقول هذه الرواية إنّه عربي مسيحي ( نسطوري ) ، وُلد في الحيرة ، العام 808 م ، من أبٍ صيدلي . بدأت مسيرته في البصرة ، حيث عمل على إتقان العربيّة . كان يعلم إذاً أنّ لغة الترجمة ليست هي نفسها اللغة المستخدَمة في الحياة اليوميّة . كان هذا الاختيار وراء الحكاية التي تقول بأنّه التقى أحد كبار علماء اللغة العربيّة ، الخليل بن أحمد « 1 » . تكشف هذه الحكاية ، بشكل موجز ومعبّر ، عن جوانب من سيرة حياته ، إذ تقول أنّ الخليل بن أحمد شخصيّاً كان أستاذه في العربيّة . وبعد ذلك نلقاه في بغداد ، في مرحلة تكوينه العلمي البحت ؛ يُجري في بغداد دراسته في الطب برعاية أحد أكبر أطبّاء العصر ، يوحنّا بن ماسويه . وهنا كان بطل الرواية هذه على موعد مع قَدَرِه ؛ فبعد طرده من دائرته على يد بن ماسويه ، يستعيد حنين طريق تكوينه الثقافي ؛ إنّها المرحلة الثالثة من هذا التكوين : يذهب إلى أحد المراكز الهيللينيّة بهدف إتقان اليونانيّة ، في الامبراطوريّة البيزنطيّة أو في الاسكندريّة ( وكاتبو السِيَر لايجزمون حول هذه النقطة ) . ويظهر مجدّداً بعد بضع سنوات ، في بغداد ، متمكِّناً من ترديد أبيات لهوميروس « 2 » ، عن ظهر قلب ؛ هذا التمكّن من ناصية اليونانيّة يشكّل بالتأكيد على المستوى الرمزي - نظيراً لرعاية الخليل له فيما يخص اللغة العربيّة . هناك إذاً ثلاث مراحل ، منتظمة ، وضروريّة لتكوين المترجِم من الطراز الجديد . فهو بعد اليوم " مترجِم - عالِم " ، يُتقِن اليونانيّة والعربيّة والسريانيّة ، وأيضاً العِلم . هذه المتطلّبات الصعبة تنبئ بأمرين . الأوّل هو أنّ العلم الذي كان يُترجَم كان ما زال عِلماً حيّاً ، وسنرى لاحقاً أنّ الترجمة لم تكن تحدث لإحياء تاريخ علم ما ، إنّما لمتابعة الممارسة الحيّة والبحث . أمّا الأمر الثاني ، فهو أنّ إحدى مهمّات المترجِم ، أضحت بناء اللغة العربيّة العلميّة . هذه المهمّة كانت تتطلّب بحثاً لغويّاً بالمعنى الحقيقي ، يُلزِم بتكوين مشابه للتكوين الذي تمكّن حنين بن إسحاق من الحصول عليه . بعد ذلك ، يمضي حنين بقيّة عمره بترجمة الكتب الطبيّة اليونانيّة وبعض كتب الفلسفة ومن بينها كتب تتطلّبها دراسة الطب . وخلال قيامه بهذه المهمّة في الترجمة ، التي يوجد إجماع على جودتها ، باشر بأبحاث في اللغة العربيّة العلميّة . وهناك إحصاء لِ - 129 كتاباً قام بترجمتها ، ثلثاها تقريباً إلى السريانيّة وثلثها إلى العربيّة . إنّ عدم التوازن الجلي هذا ، لصالح السريانيّة ، يعكس تشكيلَ المجتمع الطبيّ في تلك الحقبة ، ويعكس بالتالي سوق الطَلَب . فالمجتمع الطبّي ، كان لم يزل مؤلَّفاً بأغلبيّته ، من أطبّاء من أصل سرياني استمرّوا يشغلون منصب الأطبّاء في البلاط ، ومن هؤلاء كانت تصدر معظم طلبات الترجمة تلبيةً لحاجات الممارسة والبحث « 3 » . وقد حَفظت المصادر التاريخيّة ، في الواقع ، أسماءَ بعض الطالبين المموّلين ، مثل بختيِشوع بن جبرائيل وسلمَويه وداؤود ، ويوحنّا بن ماسويه ، وكلّهم أطبّاء سريانيّون ، وبني موسى وهم من علماء الرياضيّات والمثقّفين . وقد زاول حنين بن إسحاق مهنة الطب ووضع عدّة مؤلّفات طبيّة ، إضافة إلى بضعة كتب في قواعد اللغة وعلم المعاجم العربيّة « 4 » . ولكي يُصار إلى فهم ضخامة هذا الإنتاج ، لا بدّ من أن نذكِّر ، بسِمَةٍ ثانية هي سِمَة تنظيم الترجمة والبحث في فِرَق عمل حقيقيّة . فقد تكوّنت ، حول حنين ، مدرسة كاملة وُجِد
--> ( 1 ) " أقام ( حنين بن إسحاق ) مدّة في البصرة وكان شيخه في العربيّة الخليل بن أحمد " ( ابن أبي أصيبعة ، " عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء " ، طبعة ن . رضا [ بيروت ، 1965 ] ، ص 257 ) ؛ و " إنّ حنين بن إسحاق كان يشتغل في العربيّة مع سيبويه وغيره ممّن كانوا يشتغلون على الخليل بن أحمد " ( المرجع نفسه ص . 262 ) . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 258 . ( 3 ) أنظر ه - . هوغونّار - روش ، H . Hugonnard - Roche : " Lintermediaire syriaque dans la transmission de la philosophie grecque a larabe : le cas de lOrganon dAristote " , Arabic Sciences and Philosophy 1 ( 1991 ) , pp . 187 - 209 . ( 4 ) يشير ابن أبي أصيبعة من ضمن كتاباته إلى كتاب في قواعد اللغة " كتاب في النحو " وإلى كتاب في تصنيف أسماء الأدوية البسيطة " كتاب في أسماء الأدوية المفردة على حروف المعجم " ، ( " عيون المعجم " ، طبعة ن . رضى ، ص 273 ) .